الشيخ محمد هادي معرفة

56

تلخيص التمهيد

ومن البحر والوزن . أمّا حينما تتلو : « وَالضُّحى . وَاللَّيْلِ إِذا سَجى » « 1 » فأنت أمام شطرة واحدة . . . وهي بالتالي تخلو من التقفية والوزن والتشطير ، ومع ذلك فالموسيقى تقطر من كلّ حرف فيها ، من أين ، وكيف ؟ هذه هي الموسيقى الداخلية ، والموسيقى الباطنة سرّ من أسرار المعمار القرآني ، لا يشاركه فيه أيّ تركيب أدبي . وكذلك حينما يروي القرآن حكاية موسى بذلك الأسلوب السيمفوني المذهل : « وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى . فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ . وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى » « 2 » . كلماتٌ في غاية الرقّة مثل « يَبَساً » أو « لا تَخافُ دَرَكاً » بمعنى لا تخاف إدراكاً . إنَّ الكلمات لتذوب في يد خالقها وتصطفّ وتتراص في معمار ورصف موسيقيّ فريد ، هو نسيجٌ وحده بين كلّ ما كتب بالعربية سابقاً ولاحقاً ، لا شبه بينه وبين الشعر الجاهلي ، ولا بينه وبين الشعر والنثر المتأخّر ، ولا محاولة واحدة للتقليد حفظها لنا التأريخ ، برغم كثرة الأعداء الذين أرادوا الكيد للقرآن . في كلّ هذا الزحام تبرز العبارة القرآنية منفردة بخصائصها تماماً ، وكأنّها ظاهرة بلا تبرير ولا تفسير ، سوى أنّ لها مصدراً آخرَ غير ما نعرف . وفي العبارة البسيطة المقتضبة التي روى بها اللَّه نهاية قصّة الطوفان ، تستطيع أن تلمس ذلك الشيء الهائل الجليل في الألفاظ : « وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ » « 3 » .

--> ( 1 ) . الضحى : 1 و 2 . ( 2 ) . طه : 77 - 79 . ( 3 ) . هود : 44 .